محمد هادي معرفة

83

التمهيد في علوم القرآن

وغيره ، إنّما كانت وصلة وذريعة إلى بيان السّرّ واللّباب ، والغرض المقصود عند ذوي الألباب ، إنّما هو بيان لطائف الإعجاز ، وإدراك دقائقه ، واستنهاض عجائبه ، فكيف ساغ لهم تركها وأعرضوا عن ذكرها ، وذكروا في آخر مصنّفاتهم ما هو بمعزل عنها ، كذكر مخارج الحروف وغيرها ممّا ليس مهمّا ، وإنّما المهمّ ما ذكرناه ، ثمّ لو عذرنا من كان منهم ليس له حظّ في المباحث الكلاميّة ، ولا كانت له قدم راسخة في العلوم الإلهية ، وهم الأكثر منهم كالسّكاكي ، وابن الأثير ، وصاحب التبيان ، وغيرهم ممّن برّز في علوم البيان ، وصبغ بها يده ، وبلغ فيها جدّه وجهده ، فما بال من كان له فيها اليد الطولى ، كابن الخطيب الرازي ، فإنّه أعرض عن ذلك في كتابه المصنّف في علم البيان ، فإنّه لم يتعرّض لهذه المباحث ، ولا شمّ منها رائحة ، ولكنّه ذكر في صدر كتاب النهاية كلاما قليلا في وجه الإعجاز لا ينقع من غلّة ، ولا ينفع من علّة ، فإذا تمهّد هذا فاعلم أنّ الذي يدلّ على إعجاز القرآن مسلكان : المسلك الأول منهما : من جهة التحدّي ، وتقريره هو أنه ( عليه السّلام ) تحدّى به العرب الذين هم النهاية في الفصاحة والبلاغة ، والغاية ، في الطلاقة والذّلاقة ، وهم قد عجزوا عن معارضته ، وكلّما كان الأمر فهي كما ذكرناه فهو معجز ، وإنّما قلنا : إنّه ( عليه السّلام ) تحدّاهم بالقرآن لما تواتر من النقل بذلك في القرآن ، وقد نزّلهم اللّه في التّحدّي على ثلاث مراتب : الأولى : بالقرآن كلّه ، فقال تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً . الثانية : بعشر سور منه كما قال تعالى : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ . الثالثة : بسورة واحدة كما قال تعالى : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ثمّ قال بعد ذلك فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فنفى